موقع الشاعر عبدالرحمن الابنودي
قصائد وصور للشاعرالأبنودي

 

 

 

 

الابنودي  والمواهب الشابة



في أمسية الشاعر الكبير عبد الرحمن الابنودي بمعرض الكتاب

الابنودي يتبنى المواهب الشعرية الجديدة ويلقى شعره لغزة ولمصر ولزمن عبد الحليم ..!!

 

 

في ثالث أيام وفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب كان جمهور المعرض بالأمس على موعد مع الأمسية الشعرية الكبيرة للشاعر الكبير عبد الرحمن الابنودي ..

والتي طال انتظار جمهور المعرض لها بعدما أعلن عنها أنها في السادسة مساءا وتوافد الجمهور للقاعة منذ الخامسة والنصف ثم لم يحضر الابنودي إلا في السابعة والربع مساءا وقال اعذورني في الربع ساعة تأخير دول فقال له الجمهور الندوة موعدها في السادسة مساءا وليس السابعة فقال الابنودي الإدارة هنا بلغتني أنها الساعة 7 ..!!

ولهذا أدرك الجميع أن إدارة المعرض تعانى من أشد أنواع سوء التنظيم مما أثار تذمر الناس جدا وفتح الباب للأحاديث الجانبية التي تعيب في إدارة المعرض بشدة ..

لكن مع حضور الابنودي ومرحة وسخريته الشديدة مع كل الحضور بدأ غضب الناس واستنكارهم لاستهانة إدارة المعرض بهم يتلاشى حيث كان الابنودي يداعب الجميع بكلمات ساخرة فرقها على جميع الحضور ..

وقد حضر الندوة كل من الأستاذة فريدة الشوباشى والكاتب الكبير جمال الغيطانى ..

كما حضر مع الابنودي زوجته الإعلامية نهال كمال وابنتيه آية ونور ..

وقد بدأت الأمسية الشعرية بكلمات رحب فيها الابنودي بالجميع وقال أنه يريد قبل أن يلقى على مسامعنا من شعره أن نرحب ببعض المواهب الشعرية الجديدة وان لم يكن أصحابها صغار السن حيث قال أن ابنته أتت له منذ فترة وقالت أن لها زميل في الدراسة يقول أن والده شاعر جيد جدا وأنها ليست واثقة من هذا وهو يريد أن يسمعه شعره فالتقى به فعلا ووجده شاعرا ممتازا بالفعل ودعي الجميع لآن يستمعون إليه واسمه حسام نصار والذي قام ليلقى قصيدتين قصيرتين .. الأولى باسم سيبك عنوانك والثانية باسم تايه بدور على البلد وهى القصيدة التي ظهر باسمها عنوان الديوان الخاص به .. وقد أثار إعجاب الحضور جدا حتى أن البعض ردد للأبنودي نشكرك أنك اخترته ..

ثم قدم شاعرنا الكبير الموهبة الثانية لديه وهو شاعر جديد اسمه مصباح المهدي والذي قال عنه أنه قرأ له قصيدة أعجبته فسعى هو إليه .. واكتشف أنه (بلوة مسيحة) على حد تعبيره .. ثم عندما استدعاه قابله بحفاوة كبيرة فرحا بدعوته له لكنه انزعج واعتقد انه ربما يسلمه للأمن لجرأة شعره ..!!

وعندما صعد على المنصة وجه الشكر للأبنودي وقال انه يشكره كل الشكر لأنه أعطاه تلك الفرصة أمام جمهور الأبنودي المرعب ثم ألقى من ديوانه المعنون بشجر للعياط القصيدة التي تحمل نفس الاسم والتي جاءت كلماتها مثيرة لشجون الجميع حتى انه نال الكثير من الترحاب والتصفيق من الجمهور ..

بعد ذلك قام الأبنودي ليلقى شعره على الحضور ولكنه بدأ بتقديم التحية لدكتور ناصر الانصارى الذي يحتضن المعرض الآن ووجه له شكر خاص لأنه أصدر له الأعمال الكاملة له في مجلدين .. ثم حي روح الدكتور سمير سرحان والذي قال لو كان بيننا ما تركنا في ليلة كهذه ثم قدم احد محبيه الذي قال قصيدة شعر صغيرة في حب الابنودي اسمها رجل من أبنود ثم قام الابنودي ليلقى علينا شعره هو فبدأ بقصيدة أسمها الحزن وقال عليها لعنا كلنا حزانا ويمكن نفرح في الأخر ..

ثم ألقى قصيدة لفلسطين يهديها لشعب فلسطين وبالأخص أهل غزة وهى قصيدة ناجى العلى التي كتبها في رسام فلسطين الكبير ناجى العلي .. 

ثم قدم قصيدة العنكوبته والتي تتحدث عن فلسطين أيضا ثم قصيدة القدس ..

ثم ختم بقصيدة أسمها زمن عبد الحليم حافظ والتي حملت رثاء على حال الفن والعرب عموما والتي أثارت إعجاب الناس جدا خاصة وأن أسلوب الابنودي في الإلقاء وحده يثير الشجون ..

بعد ذلك استراح قليلا وطلب من موهبتيه الجدد إلقاء المزيد من شعرهم فالقي كل منهم قصيدة أخري .. ثم قدم لنا أمل برعي والذي قال قصيدة أخرى في حب الابنودي اسمها علمنا يا خال ..

بعد ذلك قال الابنودي مداعبا الجمهور نقدم الآن ما يطلبه المستمعون .. تحبوا تسمعوا إيه ..؟؟ فساد القاعة هرج كثير كل فرد يريد قصيدة ما .. حتى استقر الرأي على أن ينشد أشهر قصائده التي يحب الناس دوما الاستماع لها وهى قصيدة يمنى (عمته) .. والتي ختم بها أمسيته الشعرية والتي استمرت قرابة الساعتين والنصف ..

ليخرج جمهور المعرض في قمة استمتاعه بالشاعر الكبير عبد الرحمن الابنودي ..

 

ماجد إبراهيم

أحمد عمر 02 مايو 2008 المكان مدينة قنا في صعيد مصر , الزمان نهاية عام 1959, الحدث لقاء تعارف يتم لاول مرة بين ثلاثة فتيان لم يتجاوز عمر أكبرهم العشرين , لكن الاحداث القادمة ستجعل لهم دوراً عظيماً في صياغة الوجدان المصري والعربي والتعبير عنه , طوال النصف الثاني من القرن العشرين . أمل دنقل , يحيى الطاهر عبدالله , وعبد الرحمن الأبنودي ؛ ثلاثة فتيان حالمون , وعشاق قمريون , سمر الوجوه , نحاف الجسد , طوال القامة كنخيل الصعيد الحزين . أرواحهم قلقة متوثبة , ووعيهم حاداً يقظاً , وإرادتهم صخرية لا تنثني , وأحلامهم كبيرة وشبه مستحيلة ,عبر عنها أمل دنقل في قصيدة الجنوبي : ” فالجنوبي يا سيدي / يشتهي أن يكون الذي لم يكنه / أن يلاقي أثنين /الحقيقة والأوجه الغائبة “. والثلاثة مهتمون بالآدب والشعر والثقافة ؛ الأبنودي منشغل بالموروث الشعبي . يحيى الطاهر عبدالله شغوف بكتابات العقاد والمازني . وأمل دنقل مهتم بالتراث الأدبي الجاهلي والإسلامي وقد عقدوا العزم بعد أن توثقت العلاقة بينهم على الهجرة شمالاً , و الانتقال بأحلامهم إلى القاهرة . فسافر إليها الأبنودي عام 1962 معلقاً على كتفه رباباته الحزينة , وسافر أمل دنقل في نفس العام إلي الإسكندرية ومنها إلى القاهرة , وفي عام 1964 لحق بهما يحيى الطاهر عبدالله . وفي القاهرة عاش الشبان الثلاثة على سجيتهم , لأنهم جاءوا من بيئة يتحل أهلها بالصفاء الروحي والإنسجام مع الله والطبيعة والبشر , ولكنهم وجدوا القاهرة مدينة قاسية تأكل أرواح قاطنيها , فعاشوا معاً تغريبة الجنوبي الحالم في مدينة بلا قلب – كما اسماها أحمد عبد المعطي حجازي - عُزل من كل شئ , سوى أحلامهم , وصلابة الصعيدي الذي لا يتزحزح قيد آنملة عما في رأسه . كانت القاهرة على الرغم من قسوتها و صعوبة الحياة فيها , ميداناً لمعركتهم الكبرى في سبيل تحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم وتكريسه في المشهد الثقافي المصري . ورغم كل ما صادفوه فيها من معوقات , إلا أنهم عقدوا العزم على أن يوجهوا حتفاً بحتف, بلا نكوص أو تردد قد يجعلهم من الهالكين في أقرب منعطف . وبالفعل نجح كل واحد منهم على حدة في صنع أسطورته الخاصة , وحفروا لأنفسهم مكاناً بارزاً في وجدان الجماهير العربية. لكن الريح لم تأت لهم بما تشتهي سفنهم , فبعد طول معاناة ومكابدة , وحين حان أوان قطف ثمار الرحلة المضنية , يرحل بغتة يحيي الطاهر عبدالله , في التاسع من أبريل عام 1981, أثر حادث سيارة على طريق الواحات , وهو في الثالثة والأربعين . وفي نفس التوقيت يصاب أمل دنقل بالسرطان , ويعاني من أوجاعه لمدة ثلاث سنوات , ليرحل عن عالمنا في مايو 1983. ويمتد الآجل بثالث الثلاثة قي تلك الدوحة الجنوبية , عبد الرحمن الأبنودي , ليصبح ابن النيل الأسمر , شاعر الوطن والجذور , والحارس الأمين على التراث الشعبي المصري , ولتشهد قصيدة العامية على يديه مرحلة إنتقالية هامة تنجح من خلالها في فرض وجودها على الساحة الشعرية و الثقافية . ولد الأبنودي في ابريل 1938 , في مدينة أبنود بمحافظة قنا بصعيد مصر , حصل على ليسانس الآداب, قسم اللغة العربية من جامعة القاهرة . كتب العديد من الدواوين الشعرية , من أهمها , الأرض والعيال , الزحمة , جوابات حراجي القط , وجوه على الشط , الموت على الأسفلت . كما جمع سيرة بني هلال كاملة , على مدى خمسة وعشرين عاماً , من مصر والسودان وتونس . كتب ما يزيد عن 700أغنية , لكبار المطربين : عبد الحليم حافظ , محمد رشدي , فايزه أحمد , ورده , ماجده الرومي, ومحمد منير . بالإضافة إلى أغاني مسلسل ” النديم ” , وفيلم ” البرئ ” ., وحوار وأغاني فيلم ” شئ من الخوف ” , وحوار فيلم ” الطوق والأسورة ” . وحصل على العديد من الجوائز في الداخل والخارج , لعل أهمها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2000. وقد استطاع الأبنودي ببراعة فائقة أن يلتقط في شعره الخواص التعبيرية البسيطة للسان أهل بيئته البسطاء في صعيد مصر, وأن يجسد أحلامهم وأمانيهم , ورهافة وحدة مجتمعهم الصعيدي , الذي كان المجال الحيوي الملهم لمعظم قصائده . ولهذا عُد شاعر البسطاء ومْلحِ الأرض من المصريين , وهم عامة الشعب المصري , الذين يقوم على أكتافهم عبء التحرير والتعمير , والذين يمنحون الحياة معنى ومغزى , ولا يمكن أن تستقيم الحياة من دونهم , ولذلك نربط بينهم وبين ملح الطعام الذي لا غنى عنه . و الأبنودي ” حمال هموم ” كما نقول عندنا في صعيد مصرعن الرجال الذين يلقي الدهر على ظهورهم بأعباء قد تنوء بحملها الجبال , وهو إنسان لا ينكسر ولا يستسلم مطلقاً ؛ وعندما تهشمت أحلام الأمة عقب هزيمة يونيو 1967 , وتحول المستقبل الباسم بالنسبة لجيل الستينيات إلى مصيدة للرجال الحالمين , أصيب العديد من أبناء هذا الجيل باليأس , ورحل بعضهم عن مصر وهو مهزوم . الأبنودي كذلك شعر ببعض اليأس و الانكسار الداخلي , إلا أن هذا الصعيدي الصخري شديد الصلابة , لم تكسره الهزيمة , ولم تجعله كالعود الذي أدبر عنه الوتر ؛ بل انتفض شاعر الشعب وشاعر المحن والهزائم والانتصارات ليحرض الناس و ليبعث روح المقاومة في نفوس المصريين , فطاف ربوع مصر يدعو للتمسك بأمل الانتصار ويحثُ على طلب الثائر . ومثلما حاول ” الحلاج ” في مسرحية صلاح عبد الصبور أن يمنع مستمعيه من الانحناء المر أمام ” وهج الرغيف ” , حاول الأبنودي أن يجنب مستمعيه الانحناء المر أمام وهج هزيمة يونيو 1967؛ فكتب أغنية “موال النهار ” التي تغنى بها عبد الحليم حافظ , لأول مرة بمسرح ألبرت هول في لندن أمام آلاف البشر , يقول فيها : “عدى النهار.. والمغربية جايه / تتخفى ورا ضهر الشجر / وعشان نتوه في السكة / شالوا من ليالينا القمر / وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها / جاها نهار مقدرش يدفع مهرها / يا هل ترى الليل الحزين / أبو النجوم الدبلانين / أبو الغناوي المجروحين / يقدر ينسيها الصباح أبو شمس بترش الحنين ؟/ أبداً بلدنا للنهار / بتحب موال النهار ” . وبالفعل جاء جنود مصر البواسل بالنهار - لآن روح مصر والمصريين الذين قدسوا الشمس منذ آلاف السنين لا يمكن أن تستمرئ العيش في الظلمة - وتمكن الجيش المصري في اكتوبر 1973 من العبور من الهزيمة إلى النصر . وعندئذ يكتب الأبنودي للأبطال المنتصرين أغنية ” أبنك يقولك يا بطل هات لي انتصار , ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار ” , و” صباح الخير يا سينا ” ليتغنى بهما رفيق دربه وحلمه الوطني عبد الحليم حافظ . الأبنودي اليوم عليلاً ؛ فالأمراض تعرف كيف تختار مكامنها ومساكنها , وقد استطاعت أن تتمكن من جسد الأبنودي, الذي يعاني من تضخم في الرئة , وإنسداد والتهابات في الشرايين , ومتاعب في العمود الفقري . وفي الشهور الأخيرة تدهورت صحته بشكل كبير , مما استدعى سفره إلى فرنسا للعلاج , التي لا يزال متوجداً بها إلي اليوم . وعلى الرغم من تاريخ الأبنودي الطويل مع الألم , الذي هذبه وطهر روحه , وجعله يكرر دوماً عبارة الفيلسوف الألماني نيتشة , التي يقول فيها : ” إن التأدب بالألم وحده خلق حتى الآن كل ترقيات الإنسان ” . إلا أنه – كما صرح أخيراً - لم يتألم في حياته كما يتألم الآن بسبب مرضه الأخير . الأبنودي اليوم عليلاً , وبعيداً عن الوطن الذي عشق أرضه وسمائه , وبعيداً عن محبيه من الفقراء والبسطاء , ” أبناء الله المحرومين ” و ” المعذبون في الأرض ” الذين يفتقدون دفء وجوده بينهم , لأنه كان دوماً درعاً لصدورهم , ولساناً لحالهم في انكسارتهم وانتصارتهم , هم في حاجة ماسة إليه اليوم , ليبصر الغافلين بهذا التردي الصاعق الذي نعيشه على جميع الأصعدة , وليكتب الأغاني لـ ” شهدائنا الجدد ” , في معارك طوابير الخبز . حتماً سيعود الأبنودي إلى مصر ؛ فهو لا يسطيع أن يعيش أو يموت في مكان آخر . سيعود ليظل كما كان سفيراً لأرواح البسطاء , وحاملاً ومعبراً عن أحلامهم . شفاك الله و أطال عمرك يا خال ؛ فأنت كما قالت عنك العمة ” آمنة ” : ” والله حبيبي .. وتتحب على قد ما سارقاك الغربة لكن ليك قلب مش زي ولاد الكلب اللي نسيونا زمان ” . * نشر بجريدة القاهرة

الأبنودي في حوار خاص لـ " محيط "
سافرت للعلاج علي طائرة أميرعربي كبير
محيط - محمد المكاوي
تصويرـ صبرى عبد اللطيف
في هذا الحوار المثير يكشف لنا الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي كثيرا من الملابسات التي صاحبت رحلة سفره وعلاجه في الخارج ،وحكاية الـ 20 الف يورو التي دفعها في المستشفي الأمريكي بباريس تحت الحساب وعند خروجه  اكتشف انه تعرض لعملية سطو كالتي تحدث في الموالد الشعبية،أما المفاجأة الحقيقية التي فجرها حواره معنا فهي انه لم يسافر على نفقة الدولة كما كنا نعتقد ،وانما علي طائرة أمير عربي عز عليه أن يري الشاعر الكبير مريضاً ولا أحد يحرك ساكنا.
وحذر الأبنودي في نهاية حواره من تفاقم غضب الشعب المصري وقال ضمن ماقاله : ربنا مايورينا غضبه ، ولو أحرق العربيات و البيوت والعمارات لن يخسر شيئاً لأنه لم يعد  هناك مايملكه بعدما بيعت  كل مقدراته.. وقضايا أخرى كثيرة في حواره الذي امتد معنا أكثر من الساعة ، قلت له :

محيط / الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي  نريد أن نطمئن قراء " محيط " علي صحتك
- إن شاء الله كويس طالما اللسان بيتكلم ودول كويسين – يشير إلي قلبه ودماغه – الباقي مقدور عليه حتي لو ماكنتش أقدر أمشي واتحرك .
محيط / ولماذا إذن كنت ترفض بشدة فكرة السفر إلي الخارج لتلقي العلاج ؟

- الحقيقه أنا لم أكن أريد السفر لأنني كنت في حالة مرضية سيئة ولا أحب أن أعود من الخارج كجثة ، أحب أن أموت في بيتي وسط أولادي وهذا ما قلته ، قلت : المرة دي أنا أريد أقعد وسط أولادي لأن حالتي كانت شديدة السوء ، لدرجة انني عندما سافرت ظل الأطباء حوالي 25 يوماً في غرفتي لايغادرونها ، إلي أن بدأت اتنفس واتكلم ،أضف إلي ذلك أن ظهري مكسور وبطني منتفخة ، لدرجة أن ابنة أختي لاحظت ذلك وقالت لي : يا خال كرشك كان واصل إلي صدرك ، وطوال وجودي في باريس الـ 45 يوم لم آكل شيئاً ، سوي شرب المياه وحتى الطعام بدون ملح وبدون دهون ، مع أن احنا الفلاحين أو الصعايده بنحب الملح ، واتضح أن الملح ده أخطر حاجة على صحة البني آدم فهو يؤثر علي الضغط والسكر في الدم وحاجات كتير مانعرفهاش لكن بعد 30يوم تقريباً ، جاءني الطبيب وقالي لي : قوم نمشي شويه أمام الغرفة ومشينا و الممرضه وراءنا بجهاز الأكسجين ، وبعد يومين قالي لي : تعالي نطلع السلم" 7سلالم " طلعتهم ونزلتهم مرتين وهكذا .. شوية وقال لي : تعالي ننزل الدور اللي تحت وقعد يلففني في الممرات ونحيي  الممرضات والأطباء باعتباري كنت أشهر مريض في المستشفي .
والمستشفي الأمريكي في فرنسا قديم وعتيق ومبانيه كلاسيكية ، وأطلقوا عليّ لقب "المريض الشجاع" ، لانهم اعجبوا ببسالتي وإصراري علي الشفاء .
محيط / ومن أقنعك بفكرة السفر بعد رفضك القاطع لها ؟

- الأستاذ محمود درويش فوجئت به يتصل بي بعد إذاعة الخبر في برنامج  مني الشاذلي  "العاشره مساء" علي محطة دريم ، وسألني عما سمعه في البرنامج فأكدته له فأصر علي سفري فوراً ، وقال : احنا معندناش اتنين عبد الرحمن الأبنودي ، انت عارف انا بحبك جداً قد إيه ، ولازم تسافر ، ايضاً الأستاذ محمد حسنين هيكل قال لي : لازم تروح باريس .
ايضا  صديقي الأمير السعودي  عبد الرحمن بن مساعد وهو شاعر عامية سعودية رائع ، ومثلما أنا صعيدي عملت لغة تفهمها الأمة العربية ، وهو ايضاً عمل ده بالنسبة للسعودية وخرج من اللهجة النمطية بحيث تستطيع قراءته ، وهو ايضاً يملك صفات انسانية عالية جداً .. راجل عظيم الشأن ، فوجئت به يطلبني تليفونياً ويقول لي يا عبد الرحمن خد بعضك وتعالي فوراً ، هابعت لك طيارة قلت : ماتبعتش حاجة ، فقال : لا تعالي فوراً وحدد ميعاد لارسل اليك طيارتي الخاصه وأمام إصراره وافقت، وأدخلني المستشفي والدولة بعد كدة أصدرت قرارها بعلاجي علي نفقتها وقلت وقتها : أنا عرفت دلوقتي ليه الناس اللي بتتعالج علي نفقة الدولة بتموت بعد صدور القرار ، لإن الورق المطلوب لصدور القرار يحتاج إلي شخص صحيح البدن  لتحضيره .. المهم سافرت علي طائرة صديقي ولما وصلت مطار باريس وجدت سيارة إسعاف في انتظاري وتوجهت بي فورا إلى المستشفى ، وبعد يومين جاءني المسئول الطبي في السفارة المصرية وقال إن القرار جاءه، ثم فوجئت بمكالمة الرئيس مبارك لي ، ويقول محاولا تخفيف الأمر : يا عبد الرحمن انت كل شهر تتعب ولا إيه ؟
قلت : ماحدش بيحب المرض مش في سننا ده ، وهو انا متضايق من مصر .. انا عاشق ترابها وناسها .
فقال : طيب .. عندك دلوقتي السفير وهوه عنده تنبيه إن أي حاجة تعوزها تطلبها منه  .
بعد كام يوم كلمني الدكتور زكريا عزمي ، وقال لي يا عبد الرحمن ، فيه تقرير طبي أمامي بيقول إن الحكاية بجد وواضح انها هاتاخد علاج طويل فقلت : انا هاقعد هنا علي ما أدبر أموري ، فقال : لا ، احنا فتحناهالك بدون حد أقصي حتى تستكمل كل مراحل علاجك .
وجاء السفير وزارني ، وأي وزير كان يأتي باريس أفاجأ بزيارته لي.. الدكتور هاني هلال وزير التعليم .. السيدة عائشة عبد الهادي زارتني مرتين ..الفنان محمود عبد العزيز كان هناك من أجل فيلمه " ليلة البيبي دول " وزارني 3مرات ، وأقول له : يا عم انت حبيت خلاص ، وماكنتش اعرف انه عاطفي قوي كده  فيقول : يعني انا هنا ولاأزورك ؟ غير المكالمات التليفونية الكثيرة من ناس عاديين وفنانين ... انغام وسيمون .
إلى أن أمضيت فتره العلاج والمستشار الطبي عمل لي حاجة كويسة وهي انه صرف لي الدواء لمدة 6شهور لحين عودتي مره أخري إلي باريس .

الشاعر الكبير أثناء حواره مع الزميل محمد المكاوى
دفعت 20ألف يورو ولما سألت عنهم قالوا لي:

المستشار الطبي أدخلها في  قرار العلاج !
محيط / ومن تكفل بعلاجك في باريس .. هل هو صديقك أم القرارالذي صدر لك بالعلاج علي نفقة الدولة ؟
- لا تكاليف العلاج دفعتها الدولة وأنا دفعت 20ألف يورو أي ما يوازي 160 ألف جنيه .
محيط / ولماذا دفعت انت طالما القرار الصادر لك بدون حد أقصي ؟
- امر الله .. لأنني عندما ذهبت للمستشفي وضعتهم تحت الحساب ، حيث لم يكن من الممكن دخولي المستشفي دون أن أدفع مبلغ تحت الحساب ، وبعد يومين جاء المستشار الطبي ومعه القرار ، وقبل خروجي حاسب المستشفي وأخذ الـ 20 ألف يورو وحتي اللحظة لا اعرف لماذا ؟ وبصراحة حاسس إني اتنشلت في مولد وبعدين يقولوا انني اتعالجت علي حساب الدولة ، طب إزاي ؟!
محيط / وما حكاية سفرك إلي المانيا ؟
- يبدو إن علاج الكورتيزون أثر علي الفقرة التاسعة في عمودي الفقري فأفرغت الكالسيوم وتآكلت فأصبح هناك فراغ كبير بين فقرتين وعرفت انهم في ألمانيا متخصصون في العظام ، ولما محمد منير كان هناك موخراً إتصل بي ليطمئن علي صحتي وطلب من الطبيب الذي يعالجه من آلام العمود الفقري أن يحدثني تليفونياً وهو مصري مقيم هناك اسمه الدكتور ياسر وهو مساعد لبروفسير كبير قوي متخصص في جراحات العمود الفقري ، وقال إن هناك الكثير من الحالات المتشابهه التي أجراها البروفيسير لمرضى من جنسيات مختلفة، ولكن أنا أوضحت له انني أرغب في السفر بنفس الطريقة التي سافرت بها إلي باريس لانني أسافر وأجد كل شيئ مرتباً  بداية من الطبيب المعالج والمستشفي والمكان .
 محيط / الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي.. اسمح لي أن انتقل بك إلي عالم الفن ... واسألك رغم كونك شاعر غنائي كبير الا انني أشعر إن تيار الغناء لم يجرفك ناحيته وابداعاتك الشعرية تكاد تطغى علي ماكتبته من أغنيات .. فهل هذا صحيح ؟
- نعم وتفسير ذلك انني شاعر من المقام الأول وأعرف طول عمري انني جئت لأكون " الشاعر " ومن سنة 64 كنت كل سنه بأطبع ديوان جديد لي .. " الأرض والعيال " .. " الزحمة " " عماليات" .. " حراجي القط " .. " علي حسابي وكانت الأغاني هي التي تمول هذه الدواوين . وذلك كان سببا رئيسياً لكتابتي للأغاني يعني مثلا "حراجي" مدين لعدوية ووهيبه .
محيط / إذن كتابتك للأغاني لم تكن بدافع حبك للغناء أو سعيا وراء الشهرة؟
- لا .. أنا كنت بحب الغناء لإن العمل عندنا في " أبنود " مرتبط بالغناء وتحديدا ما كانت تغنيه  "فاطمه قنديل"  أمي رحمة الله عليها ، يعني أنا مرة اخذت أغنية كاملة منها  ووضعتها في فيلم " عرق البلح " للمخرج رضوان الكاشف ، وقلت لأخونا ياسر عبد الرحمن ضعها كما غنتها أمي ، لا أنا أضع كلمة ولا انت تؤلف نغمة مخالفة وهي أغنية " بيبه " .. دي غنوة أمي وهو وضع لها توزيعاً موسيقياً ووضع لها بناء موسيقيا جميلاً  لانها جملة شعبية ولو لم تكن تعيش لولا انها حقيقية وأصيلة زي أغنية " أنا كل ما اجول التوبه " مثلا.
محيط / بمناسبة هذه الأغنيه - انا كل اقول التوبة -  ما رأيك في غناء ماجدة الرومي لها ؟
- عندما غني عبد الحليم حافظ هذه الأغنيه كان يغير جلده ويحاول الخروج من الشرنقة لإن محمد رشدي " زنق " عليه والدنيا كانت تتغير من حوله ولإن عبد الحليم كان فنانا ذكيا ، فقد غناها  لكن خائف ومتوتر عشان مافيهاش .. الشعر الحرير ع الخدود يهفف ويرجع يطير   لكن فيها ، القلب الأخضراني ولغة أخري  فكان حاطط إيده علي قلبه ، وماجده الرومي اخذتها جاهزة بعدما نجحت وأصبحت من كلاسيكيات الغناء .
محيط / لكنك تحدثت عن غناء عبد الحليم لها مره بشكل سلبي ومره بشكل إيجابي ؟
- أصل لما همة وزعوها – علي اسماعيل رحمة الله عليه – فأنا طلعت في الراديو وكنت سليط اللسان حقيقة وقلت إن التوزيع الموسيقي غير مناسب ، وأنا عذبت عبد الحليم خالي بالك.
محيط / هل هذا اعتراف منك في حق عبد الحليم الآن؟
- ده حقيقي وهو احتملني كما لم يحتمل انسان آخر في حياته بشهادة كل اصدقائه ، الراجل ماكنش عارف يعمل لي إيه ، يعني مثلاً يوم ما طلعت من السجن ، أولا وأنا في السجن كان يبعت لي السجائر اللي يدخن منها 39 مسجون معي ويرجو المسئولين والضباط الكبار لكي يسمحوا له بإرسال السجائر لي ، ويوم خروجي من السجن -  كنت أسكن في بيت قديم مابين ميدان التحرير وباب اللوق – وفجأة سمعت جرس الباب واذا بي افتح الباب فأجد عبد الحليم أمامي بعدما صعد سلم طويل قوي – 3أدوار من المباني القديمة وخلفه مجدي العمروسي يلهث من التعب .. والله العظيم كان بيوزع الحاجة الساقعة علي الناس وأصر علي أن يحمل الصينية بنفسه ، وبصراحة عاملني كما لم يعاملني أحد في الوسط الفني .
بعد النكسة قلت لحليم:

انت حاجة وأنا حاجة ..وافترقنا
محيط / إذا كان عبد الحليم يحمل لك هذا الحب وكل هذا التقدير ، فلماذا وقع الخلاف بينكما ؟
- انا دائماً عندي تناقض بين الشاعر ومؤلف الأغاني ودائماً كنت أعمل مسافه بيني وبين المغنيين و الوحيد اللي ما عملتش معه هذه المسافة هو محمد رشدي، وبعد نكسة 67 قال لي عبد الحليم : يا عبد الرحمن أنا عندي شركة وناس وعمال لازم يأخذوا مرتبات ، فقلت : يعني قصدك نكتب أغاني عاطفية فقال : اه ، فقلت : لا أنا مش معاك ، ودي بقي الفترة اللي رحت فيها السويس وعملت "يابيوت السويس" و"وجوه علي الشط" والحقيقه الراجل كان منزعج مش عاوز يسيبني وفي نفس الوقت  عنده ضرورات طب يعمل ايه ؟
محيط /  هل انت الآن تلتمس له الأعذار ؟
- ابدا.. لكن أريد أن أقول إن موقفي كان صحيح وهو ايضاً موقفه صحيح ، يا إما كده يا إما الشركة تغلق أبوابها ، وشوف النكسة قعدت قد ايه ، من 67 إلي 73 ، هل كان هايفضل يدفع الفلوس للموظفين واللا يهد الشركة .. هوه عنده حق لكن أنا كمان عندي حق .. أنا معنديش شركة ودي شركة عبد الحليم وعبد الوهاب .. وأنا مالي حتي الغناء كل اللي عملته له منذ عام 67 من أول أحلف بسماها وبترابها مرورا بإبنك يقولك يابطل ، يابركان الغضب لغاية عدي النهار والمسيح وصباح الخير يا سينا ، ما اخذناش فيها فلوس فموقفي لم يكن فيه تناقض يعني لم اخذ من جيبه فلوس وقلت له : لا تدفع مرتبات لموظفي الشركة لم يحدث ابداً ، فقد كنت في غيبوبة وطنية ولم أكن وحدي وانما معنا بليغ حمدي وكمال الطويل والموجي من أول أغنية " اضرب " لم يتقاضي أحد منا فلوس ولم يخطر علي باله ذلك أبداً .
لم أكن افهم حكاية الموظفين والمرتبات لإن طول عمري أنا أحس بالموظفين لذلك قلت له : مقدرش .. انت حاجة وانا حاجة .
 
محيط / الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي .. ما القضية التي تشغل بالك الآن ؟
القضية التي تشغلني جدا الآن هي أحوال الشعب المصري وهذا الإصرار علي نرفزته وتعذيبه وإيذائه وخايف منه .. خايف من الشعب المصري .. يعني اتقي شر الحليم اذا غضب .

أحزنني وفاة عبد العاطي بطل أكتوبر

وهو لا يجد ثمن الدواء
محيط / وكيف عبرت عنها عبر قصائدك ؟
يعني مثلاً أحزنني  جدا أن عبد العاطي صائد الدبابات مات بفيروس c ولا يعرف أحد عنه شيئاً ، بل لم يجد ثمن الدواء  ولم ينقذه أحد !! ولم يسأل عنه أحد .
ويتوقف الشاعر الكبير ليلتقط انفاسه قليلا ثم يقول : عبد العاطي أجمل رموز حرب أكتوبر الذي أسر قائد الدبابات الإسرائيلي " عساف يا جوري " هل تصدق انه هبط علي وانا في غرفتي في باريس ؟... هبط علي زي الكابوس ، احاول الهرب منه بلا فائده لم أستطع .. وكتبت قصيدة .. " عبد العاطي " ، مش ممكن الافتراء بتاعنا ده ايه ده ؟! نفس الحكاية ... الناس التي تموت في طوابير الخبز .. لا .. لا .. الشعب المصري نبيل جداً ويجب أن يعامل بنبل ، ما العالم كان رأس مالي ، لكننا لم نري رأس ماليه تلتهم رقاب الناس كدة .
ربنا مايوريك غضب الشعب المصري .. لانه الآن في مرحلة غضب وربنا يحمي مصر من غضبه ، لانه يشعر انه لم يعد يملك فيها شيئاً ، ولو أحرقها لن يخسر شيئاً لو أحرق العربيات والبيوت والعمارات التي بناها علي أكتافه ،أصل الرأس ماليه فاكره إن مارينا بعيدة عنه ؟إزاي دا هوه الذي بناها ويعرفها بدقه ، ماينفعش تستولي علي مقدراته وتبيع كل ما يمكله وتلهفه وتتركه هكذا ....!
انتهى الحوار ولكن شريط التسجيل لايزال يدور

 

عينا عبدالرحمن الأبنودي

فاطمة ناعوت     الحياة     - 20/04/08//

موقفان لي مع عبدالرحمن الأبنودي لا أنساهما أبداً ما قدّر الله لي أن أحيا. أحدُهما في الثمانينات المنصرمة وأنا بعدُ طالبةٌ في الفرقة الأولى في كلية الهندسة. والآخر قبل أعوام قليلة خلت. كانت اللجنةُ الثقافية في كلية الهندسة (جامعة عين شمس) قد دعت الأبنودي لإحياء أمسية شعرية استجابةً للطلاب. ولأنه جميلٌ فقد لبّى. ولا أنسى ابتسامته الرائقة ونحن نقاطعه ليعيد ونردد معه «جوابات حراجي القط» التي نحفظها عن ظهر قلب. صوت عملاق قوامه مئات الطلبة في نَفَس واحد يقولون: «وانشالله يا حراجي ما يوريني فيك يوم/ وانشالله تكون تعلمت ترد قوام/ وما دام احنا راسيين ع العنوان/ والله ما حنبطل بعتان/ مفهوم.../ أسوان/ زوجي الغالي/ لا وسطى حراجي القط / العامل في السد العالي «ولأنه جميلٌ أيضاً فقد رحّب بسماع «المواهب الشابة» من طلاب الكلية. كان ذلك في مدرج «فلسطين» المهيب الذي يحتلُّ مكاناً بارزاً في واجهة المبني العريق. وبالطبع لم أكن من بين المواهب الشابة. لكن أصدقاء أشراراً ممن يعرفون عن محاولاتي الشعرية وشوا بي ودفعوني دفعاً لألقي قصيدة على مسمع ومرأى من الأبنودي. وهو الحدث الجلل لو تعلمون! وكان الامتحانَ الأصعب والموقفَ الأرهب. على أنني بعد بعض تردد وكثير تلعثم ألقيتُ ما في جعبتي. وحين تقدمت لمصافحته مُطرقةً خجلى وجلى كان نثارُ كلمات مما يشبه الاعتذار يتدفق من شفتي. فما كان إلا أن احتضنني وقال بصوت عال بلكنته المصرية الجنوبية البديعة: «انتي شاعرة يا بت، اوعاكي تسيبي الشعر!». وكانت شهادةً كبرى أمام ألف طالب على الأقل. صحيحٌ أنني لم آخذها إلا على محمل التشجيع مما يليق بشاعر كبير نحو صبية تحاول الشعر، وصحيحٌ أنني لن أنشر حرفاً إلا بعد هذه الواقعة التاريخية، بالنسبة إلي، بعقدين كاملين، إلا أنني طوال هذين العقدين سأظل أحتفظ بتلك الشهادة في داخلي بصفتها تميمتي السرية. أُخرجها في خلوتي لأقوى كلما انهزمت، وأستحضرُها فوق طاولتي كلما راودني الشعرُ وحاولت الفرار منه تأدباً من أن ألوّث الورق كما يقول نزار قباني.

الموقف الثاني كان قبل أعوام في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. كان الأبنودي يلقي قصيدة «يامنة». ولما حرصتُ على اقتناص مقعد في الصف الأول، تماماً في مواجهة الشاعر، ولما كان إلقاؤه كالعادة بديعاً وساحراً، ولما كانت ملامحه تقول الشعرَ مع صوته، ولما كانت القصيدة ماسّة جداً وحارقةً، فقد بكيت عندما قال: «ولسه يامنة حاتعيش وحاتلبس/ لمّا جايب لي قطيفة وكستور؟/ كنت اديتهمني فلوس/ اشتري للركبه دهان./ آ...با...ي ما مجلّع قوي يا عبد الرحمان/ طب ده أنا ليّا ستّ سنين مزروعة في ظهر الباب/ لم طلّوا علينا أحبة ولا أغراب./خليهم/ ينفعوا/ أعملهم أكفان.!/ كرمش وشي/ فاكر يامنة وفاكر الوش؟/إوعى تصدقها الدنيا../ غش ف غش! /مش كنت جميلة يا واد؟/ مش كنت وكنت/ وجَدَعَة تخاف مني الرجال؟/ لكن فين شفتوني؟/ كنتوا عيال!/ حاتيجي العيد الجاي؟/ واذا جيت/ حاتجيني لجاي؟/ وحتشرب مع يامنة الشاي؟/ حاجي يا عمة وجيت/ لا لقيت يامنة ولا البيت!». بكيتُ. فما كان منه إلا إن انتزع منديلاً ورقياً من فوق المنصّة وناولني قائلاً بلكنته الجنوبية الفاتنة: «والله يا عبدُ الرُحمان بكّيت «فاطنة» الحلوة!». عقدانِ بين هذين الحدثين الفاعلين في حياتي. وبين العقدين مئات من قراءات الأبنودي وكثير من دموع تغسل الروح كما التطهر الأرسطي: «أيها الجميل يا مخبي في عينيك السحراوي تملي حاجات، كل سنة وأنت طيب يا راجل يا طيب. عُدْ إلينا سريعاً لأننا نحتاج إليك»!


"الهلال" تحتفي ب"الخال" عبدالرحمن الأبنودي
غلاف العدد

القاهرة: احتفي عدد يونيو 2008 من مجلة "الهلال" بالشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى بعدد خاص شارك فيه عدد كبير من المثقفين المصريين منهم د. جابرعصفور ود. رفعت السعيد واسامة انور عكاشة ويوسف الشريف وخيرى شلبى ومحمد ابراهيم أبو سنة وابراهيم فتحى ود. أحمد درويش وغيرهم.

يكتب د. جابر عصفور تحت عنوان "قيمة إبداعية" مؤكداً أن " للابنودى إنجازه الابداعى المتميز والمتواصل والمتجدد على امتداد اربعين عاما، ما أسهم بقوة فى إزالة الهوة الفاصلة بين الشعر والجمهور، وأعاد الشعر الى سيرته الشعبية الاولى التى لاينفصل فيها الشاعر عن المؤدي، ولايتباعد الشعر عن جمهوره بل يغدو وإياه ناطقا باسمه وتجسيداً ابداعيا لخصوصية أحواله الشعورية، ولذلك أحبت الجماهير العريضة فى مصر عبد الرحمن الأبنودى الشاعر، وانفعلت بقصائده ورددت كلماته التى تسابق عليهما أهم المغنيين والمغنيات.

ويكتب الناقد ابراهيم فتحى عن نشأة الأبنودى قائلا: "وقد ساعدت نشأة الأبنودى فى القرية وموهبته الشعرية المتوهجة من وقت قراءته لمحمود حسن اسماعيل على الاتكاء على البساطة مما أعطاه درجة عالية من الروعة والتفرد".

ويكتب الشاعر مجدى نجيب تحت عنوان "مع صديقي" قائلا: "كنت أنا وهو وجميع شعراء العامية: صلاح جاهين وفؤاد حداد، وسيد حجاب، وعبد الرحيم منصور، وفؤاد قاعود، وسمير عبد الباقى وغيرنا، كنا كسنبلة القمح، كل حباتها تحتضن بعضها فى حب لم نعرف الكراهية، أو تنافس القتل للحصول على هبة او جائزة، وكان إصرارنا نوعاً من الحب الذى غمسنا فيه لقمتنا وأشعارنا على طريق الأمل الذى مشينا فيه مع الزعيم جمال عبد الناصر.. كان انتماء عبد الرحمن قويا، فكتب: "علشانك/ رميت حدى على دراعك / أبيع علشانك نص أبويا وأمي".

اما الروائى خيرى شلبى فيرسم صورة قلمية للأبنودى قائلا: "إن الشاعر الأبنودى لم يتعلم الشعر من أحد ولم يدرسه على أحد إنما هو مولود به، صحيح أن أباه الشيخ الابنودى كان يقرض الشعر وأن امه – الأمية – كانت هى الاخرى مصدرا من مصادر الشعر الشعبي، ولكن الموروث الذ يولد به كان أضخم من المكتسب الذى حصّله عبر سنوات الطفولة والصبا "فترة تكوينه الاولى 

عينا عبدالرحمن الأبنودي

فاطمة ناعوت     الحياة     - 20/04/08

موقفان لي مع عبدالرحمن الأبنودي لا أنساهما أبداً ما قدّر الله لي أن أحيا. أحدُهما في الثمانينات المنصرمة وأنا بعدُ طالبةٌ في الفرقة الأولى في كلية الهندسة. والآخر قبل أعوام قليلة خلت. كانت اللجنةُ الثقافية في كلية الهندسة (جامعة عين شمس) قد دعت الأبنودي لإحياء أمسية شعرية استجابةً للطلاب. ولأنه جميلٌ فقد لبّى. ولا أنسى ابتسامته الرائقة ونحن نقاطعه ليعيد ونردد معه «جوابات حراجي القط» التي نحفظها عن ظهر قلب. صوت عملاق قوامه مئات الطلبة في نَفَس واحد يقولون: «وانشالله يا حراجي ما يوريني فيك يوم/ وانشالله تكون تعلمت ترد قوام/ وما دام احنا راسيين ع العنوان/ والله ما حنبطل بعتان/ مفهوم.../ أسوان/ زوجي الغالي/ لا وسطى حراجي القط / العامل في السد العالي «ولأنه جميلٌ أيضاً فقد رحّب بسماع «المواهب الشابة» من طلاب الكلية. كان ذلك في مدرج «فلسطين» المهيب الذي يحتلُّ مكاناً بارزاً في واجهة المبني العريق. وبالطبع لم أكن من بين المواهب الشابة. لكن أصدقاء أشراراً ممن يعرفون عن محاولاتي الشعرية وشوا بي ودفعوني دفعاً لألقي قصيدة على مسمع ومرأى من الأبنودي. وهو الحدث الجلل لو تعلمون! وكان الامتحانَ الأصعب والموقفَ الأرهب. على أنني بعد بعض تردد وكثير تلعثم ألقيتُ ما في جعبتي. وحين تقدمت لمصافحته مُطرقةً خجلى وجلى كان نثارُ كلمات مما يشبه الاعتذار يتدفق من شفتي. فما كان إلا أن احتضنني وقال بصوت عال بلكنته المصرية الجنوبية البديعة: «انتي شاعرة يا بت، اوعاكي تسيبي الشعر!». وكانت شهادةً كبرى أمام ألف طالب على الأقل. صحيحٌ أنني لم آخذها إلا على محمل التشجيع مما يليق بشاعر كبير نحو صبية تحاول الشعر، وصحيحٌ أنني لن أنشر حرفاً إلا بعد هذه الواقعة التاريخية، بالنسبة إلي، بعقدين كاملين، إلا أنني طوال هذين العقدين سأظل أحتفظ بتلك الشهادة في داخلي بصفتها تميمتي السرية. أُخرجها في خلوتي لأقوى كلما انهزمت، وأستحضرُها فوق طاولتي كلما راودني الشعرُ وحاولت الفرار منه تأدباً من أن ألوّث الورق كما يقول نزار قباني.

الموقف الثاني كان قبل أعوام في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. كان الأبنودي يلقي قصيدة «يامنة». ولما حرصتُ على اقتناص مقعد في الصف الأول، تماماً في مواجهة الشاعر، ولما كان إلقاؤه كالعادة بديعاً وساحراً، ولما كانت ملامحه تقول الشعرَ مع صوته، ولما كانت القصيدة ماسّة جداً وحارقةً، فقد بكيت عندما قال: «ولسه يامنة حاتعيش وحاتلبس/ لمّا جايب لي قطيفة وكستور؟/ كنت اديتهمني فلوس/ اشتري للركبه دهان./ آ...با...ي ما مجلّع قوي يا عبد الرحمان/ طب ده أنا ليّا ستّ سنين مزروعة في ظهر الباب/ لم طلّوا علينا أحبة ولا أغراب./خليهم/ ينفعوا/ أعملهم أكفان.!/ كرمش وشي/ فاكر يامنة وفاكر الوش؟/إوعى تصدقها الدنيا../ غش ف غش! /مش كنت جميلة يا واد؟/ مش كنت وكنت/ وجَدَعَة تخاف مني الرجال؟/ لكن فين شفتوني؟/ كنتوا عيال!/ حاتيجي العيد الجاي؟/ واذا جيت/ حاتجيني لجاي؟/ وحتشرب مع يامنة الشاي؟/ حاجي يا عمة وجيت/ لا لقيت يامنة ولا البيت!». بكيتُ. فما كان منه إلا إن انتزع منديلاً ورقياً من فوق المنصّة وناولني قائلاً بلكنته الجنوبية الفاتنة: «والله يا عبدُ الرُحمان بكّيت «فاطنة» الحلوة!». عقدانِ بين هذين الحدثين الفاعلين في حياتي. وبين العقدين مئات من قراءات الأبنودي وكثير من دموع تغسل الروح كما التطهر الأرسطي: «أيها الجميل يا مخبي في عينيك السحراوي تملي حاجات، كل سنة وأنت طيب يا راجل يا طيب. عُدْ إلينا سريعاً لأننا نحتاج إليك»!



عبد الرحمن الأبنودي تمنى أن تهب عاصفة ترابية على العاصمة الفرنسية باريس شريطة أن تكون قادمة من مصر ليمسك بترابها زاكما به أنفه، هامسا في أذن كل حبة منها أنه لا يحب أن يموت بعيدا عن أرض وطنه.

تمنى أن تهب عاصفة ترابية على العاصمة الفرنسية باريس شريطة أن تكون قادمة من مصر ليمسك بترابها زاكما به أنفه، هامسا في أذن كل حبة منها أنه لا يحب أن يموت بعيدا عن أرض وطنه.

بهذا الحب .. يصف لنا "الخال" عبد الرحمن الأبنودي، كيف كان حالهلمدة 45 يوما عاشهم بين الخواجات في رحلة علاج طويلة، لكنه مؤخرا عاد بحمد الله متنفسا الصعداء، لأن أمنيته كانت أن يموت في حضن الوطن.

 

 

خال "عبد الرحمن".. افتقدناك شهرا

ونصف.. فماذا عن مرضك وصحتك الآن؟

كيف أمرض وأقول آه ومصر بداخلي تحفزني على الثبات والقوة، وهل من شخص يحب مصر أن يهتز أو يتألم؟! .. هرمونات قوتي أستمدها من شمسها وأوجاعي أعمل لها حمام تراب (مش مساج) على أرضها.. الحمد لله أنا بخير وعدت بكل قوة وأتمنى أن أموت وأنا واقف على قدمي لا أن ينقلونني من فراش المرض إلى الكفن.

رحلة مرضك استمرت 45 يوما في باريس.. فيما كنت تفكر؟

لم أفكر في أني أريد أن أشفى، لأني كنت (رامي توكالي) على اللي خلقنا، كل ما كنت أفكر فيه هو أن أموت هنا على أرض مصر.. وأن تخرج جنازتي من أحد المساجد التي شهدت رحيل مصريين سفوا تراب مصر.. وأموت بين بناتي وزوجتي وأهلى فلا أحتمل في موتي أن يقف أهلي على أبواب المطار ويعلن بصوت عالي عن وصول جثمان عبد الرحمن الأبنودي، نفسي أموت في حضن بناتي وزوجتي والوطن.

أمد الله في عمرك.. بس يعني إيه وطن؟

تساؤل رغم غرابته إلا أني أحترمه لأن هناك كثيرين يرددون كلمة وطن وأرض وعرض دون أن يفهموها.. يا ولاد.. الوطن ده قصة مليناه بالأم وأوجاع لا يشعر بها سوى من عاش أزماته وانتصاراته، لا يعرفه إلا من سف التراب منها وتذوقه ليتحول بداخله إلي ذهبا، فلكم أن تتخيلوا أنني فترة اعتقالي كانت من أقسى وأحلى فترات حياتي، لأني عرفت أن كلمة وطن معناها جميل، كذلك قدرت قيمة الحياة وعرفت بداخل الأسوار يعني إيه حرية.. نعود لكلمة وطن وأقول أن مصر لن تعرفوها إلا في الأزقة والحواري والميادين العتيقة والبيوت الآيلة للسقوط.

إذن فترة اعتقالك كانت مرحلة حاسمة في حياتك؟

أكيد لأنها مرحلة عاشرت فيها في السجن كُتاب وأدباء مخضرمين مثل صلاح عيسى وجمال الغيطاني وسيد حجاب، والصحفي محمد العزبي، بالإضافة إلى سياسيين جرتهم آرائهم إلى أن يعيشوا خلف الأسوار، فكانت بالنسبة لي من أكثر الفترات التي أثرت في تكويني وثبوت عقيدتي.

بصراحة هل شعرت يوما بفراغ فكري؟

لا أنكر ذلك، فأوقات كثيرة أشعر أن فكري فاضي ولا أجد من حل سوى الذهاب إلي قريتيا أبنود بمحافظة قنا لأعود محملا بالأفكار والقصص والحكايات التي لا تنتهي.

ولماذا أبنود تحديدا.. هل هي مصدر إلهامك؟

شهدت طفولتي وأيام فقري، وأوقات كنا ننام فيها بدون طعام، كنت أجري على قوت يومي وأنا لا زلت طفلا صغيرا، فكنت أذهب إلى الغيط لجمع القطن، وكان حتما أن أتعلم الصيد لأستطيع أن أخرج من النهر ولو بسمكة لأكلها لتسد جوعي ومع الصيد تعلمت الصبر.

تفتكر كان مصروفك كام؟

10 قروش، ولكن هذا المصروف ليس كل يوم مثلما كان يحدث مع كل أصدقائي، لكن كان كل ما ربنا يسهل لأبويا وكلما تزداد دعوات أمي.

السيدة فاطمة قنديل والدتك.. ماذا تقول عنها؟

لا أستطيع أن أقول أقل من أنها وطن بداخل وطن.

لهذه الدرجة تحبها؟

حب الولد لأمه شيء طبيعي، لكن ما بينى وبينها كان أكثر من قصائد العشق، فالحياة معها مختلفة وكانت تستطيع أن تحول العلقم إلى شهد.

متى بدأت بذورك كشاعر؟

منذ أن قولت(واء)، فكان عليّ ورغما عني أن أكون شاعرا أو مغنيا فكل من في قريتي يغني، فأتذكر إنني كنت أعمل في الغيط وأغني مع الفلاحين أغاني تشد من همتنا وتقوينا، أتصدقون أن الأفراح التي كانت تقام في قريتنا كنا يستحيل أن نأتي بمطرب، كنا كأهل أبنود من نغني، فالغناء كان سمة أساسية في قريتنا وكانت أمي صوتها جميل وأستعنت بأغنية لها من قبل في فيلم (عرق البلح) للراحل رضوان الكاشف.

كيف ترى شباب مصر الآن؟

محتاجين يحبوا مصر، فالحل ليس في الهجرة، وأقول لهم إنكم تعيشون في أحلى فتراتها مقارنة بالماضي.

العالم العربي في تدهور والموقف متخاذل.. ماذا تقول لكل عربي؟

ينام العالم العربي ليلاتي زي مابينام بعواجيزة بفتيانه بأطفاله بشبانه، قرأ الجورنال وملأ سيارته بالبنزين وشاف النشرة بعد الظهر، وقال في الإنتفاضة كلام وحّياها .. وبعدين نام!
Your text goes here.

الأبنودي يتلقى العلاج بباريس ويكتب أحدث قصائده

عن محيط

٢٩ آذار (مارس) ٢٠٠٨


بدأ الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في كتابة قصيدة جديدة في غرفته بالمستشفى الأمريكي بباريس، وهو، وفق دورية " أخبار الأدب " الأسبوعية، غير مستشفى البحرية الأمريكية كما نشرت بعض الصحف بطريق الخطأ.

وقد بدأ الشاعر في تلقي العلاج للرئة والعمود الفقري والجلد بعد تأثرها بالكورتيزون، بينما طمأنه الفريق المعالج على حالة الكبد والقلب.

وقال الأبنودي ل " أخبار الأدب " أنه لا يعاني الحنين إلى الوطن، لأن الوطن كله حضر إليه في زيارات الأصدقاء الذين توافدوا على المستشفى من مدن فرنسا المختلفة والسويد وسويسرا وانجلترا فضلا عن ناصر كامل سفيرنا في باريس وطاقم السفارة، أما أكثر الزيارات تأثيرا فكانت من زائر سنغالي، قال للأبنودي أنه يبحث عنه منذ خمسة وثلاثين عاما وعندما عرف له عنوانا زاره!

كما أهدت الجالية المصرية في فرنسا الأبنودي جبلا من الفاكهة جعلت شهرته في المستشفى كبائع فاكهة تغطي على شهرته شاعرا!

وتلقى الأبنودي اتصالات لعديد من الأصدقاء من بينهم محمد حسنين هيكل، محمود درويش، أسامة أنور عكاشة، صلاح السعدني، صلاح الشرنوبي، وعديد من الأصدقاء في الوسطين الأدبي والفني.

ويعد الأبنودي أحد مؤسسي الحركة الأدبية المتميزة التي برزت فيها اللهجة العامية والتاريخ الشفاهى بشكل رئيسي وهو عضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وكتب في عدد من الصحف والمجللات الدورية المصرية ومازال مستمراً

لناقد توفيق حنا أول من قَدّم الأبنودى ودنقل للساحة الأدبية

 
 

نجيب محفوظ وراء دخولى إلى عالم النقد الأدبي

 
 

عيد عبدالحليم

 

  توفيق حنا ناقد مصرى ينتمى إلى جيل الخمسينيات قدم عددا كبيرا من أدباء مصر الذين أصبحوا - الآن - ملء السمع والبصر أمثال الشاعر عبدالرحمن الأبنودى والقاص يحيى الطاهر عبدالله والشاعر أمل دنقل وغيرهم.
وفى الفترة الأخيرة آثر توفيق حنا العزلة وهاجر للإقامة بالولايات المتحدة الأمريكية.
وخلال زيارته الأخيرة للقاهرة كان لى معه هذا الحوار:
- كان لك تجربة فريدة مع أدباء الستينيات خاصة أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودى، وكنت أول من أطلّع على تجربتهم الإبداعية.. حدثنا عن تلك التجربة؟
-- على كل حال كنت قد رقيت مدرسا أول للغة الفرنسية فى مدرسة قنا الثانوية، ورغم أن قنا تعتبر بالنسبة للترقية منفى نظرا لأنى من أبناء محافظة القاهرة وكنت أعمل مدرس لغة فرنسية فى المدرسة الخديوية التى أمضيت فيها سبع سنوات من أخصب سنوات حياتى.
ذهبت إلى قنا وأخذت أسرتى معى وكأنى سوف أعيش هناك طيلة العمر، أحببت قنا وأبناءها، وقيل لى - بهذه المناسبة - أن كل من أحب قنا من المنقولين إليها لا يمكثون بها طويلا، وفعلا لم أبق فى قنا إلا سنة واحدة.
فى هذا العام كنت بجانب قيامى بتدريس اللغة الفرنسية وإشرافى على المدرسين الآخرين، أوجّه تلاميذى من أنحاء المحافظة إلى دراسة القرية التى نشأوا بها باعتبار أنها قريتهم وتعد وطنهم الصغير تمهيدا لتأكيد الانتماء للوطن الكبير، وكان من تلاميذى - فى السنة النهائية للتوجيهية عام 1956 - كل من عبدالرحمن الأبنودى وأمل دنقل، ونبهنى الصديق عبدالرحمن الأبنودي بعد ذلك أن محمد صفاء عامر كان ضمن المجموعة.
ومن أهم الأشياء التى فوجئت بها - ذات يوم - أن أمل دنقل أحضر لى بعض المفردات التى تتردد فى قريته وما يقابلها من مفردات عربية، ومازلت أحتفظ بهذه الأوراق.
وفى هذا العام كنت أقد أرسلت للأستاذ الكبير يحيى حقى عندما أصبح مديرا لمصلحة الفنون خطابا عن فكرة تكوين لوحات شعبية تحوى كل مفردات التراث الشعبى، وأرفقت بهذا الخطاب حكاية يا ليل يا عين لتربط كل مفردات اللوحة الشعبية ووصل الخطاب إليه، وقد ذكر فى كتابه يا ليل يا عين أنه ترك كل الأفكار التى كان يفكر فيها وأخذ فكرة يا ليل يا عين من الرسالة التى أرسلتها وحوّرها، وكانت أساسا لاستعراض يا ليل يا عين الذى قدم بدار الأوبرا الذى قام بإخراجه المخرج الكبير زكى طليمات، وأشترك الصديقان الراحلان على أحمد باكثير وزكريا الحجاوى فى صياغة الأشعار والحوار لهذه التجربة، وقدمت عام 1956، وشاءت الأقدار أن تتوقف بسبب العدوان الثلاثى على مصر وبعد ذلك احترقت الأوبرا فى بداية التسعينيات واحترق معها كل ما يتعلق بهذه التجربة الفريدة.
علاقة دائمة
- وماذا عن تلاميذك، كيف أحسست بموهبتهم؟
-- نقلت إلى القاهرة وكنت دائم الاتصال بعبدالرحمن الأبنودى، كان يرسل لى نشاطه ومحاولاته الشعرية، وكنت قد اشتركت فى تحرير مجلة الشهر مع الراحل الصديق سعدالدين وهبة وكانت مشاركتى تحت عنوان ندوات وفى مقدمة نشرى للندوات كنت أرجو أن أقدم كل الندوات الأدبية والشعرية فى جميع أنحاء مصر، وقدمت نشاط بعض الأدباء والشعراء من قنا وكانت تضم عبدالرحمن الأبنودى وآخرين، وقلت إن فى مصر 4500 قرية فلو تمكنا أن نقدم أديبا وشاعرا وقصاصا لأمكننا أن نقدم للوطن آلاف الأدباء والشعراء والروائيين وقد شجع هذا الأبنودي أن يأتى إلى القاهرة، وجاء معه أمل دنقل وكنت مؤمنا بأعمال الأبنودي فقدمته فى رابطة الأدب الحديث التى كنت عضوا بها، وأذكر من المشرفين على هذه الندوة عبداللطيف السحرتى ود. محمد عبدالمنعم خفاجى، وكانت خطوة جريئة منى أن أقدم شاعرا يكتب قصائده باللغة العامية إذ كانت الرابطة كلاسيكية التوجه، ولكن لعلاقتى الطيبة مع المشرفين بالرابطة رحبوا بهذه الخطوة، وكان أن نجح الأبنودي كل النجاح فى لفت نظر المستمعين نظرا لقدرته الإبداعية، وحتى اليوم لازالت علاقتى بعبدالرحمن الأبنودى علاقة متينة وقوية ولا أنسى - أبدا - وفاءه لما قدمته له.
- ولكن كيف بدأت علاقتك بالأدب وبالنقد تحديدا؟
-- الواقع أننى كنت مترددا أن أكتب، وقلت إن الكاتب حتى يكون له حق أن يشارك فى الكتابة لابد أن يكون مزودا بكل ما قدم فى العالم من أدب وفن وكل ألوان الإبداع، ذلك حتى يمكن أن يضيف شيئا جديدا، ومع هذا بدأت الكتابة عندما قرأت رواية زقاق المدق وأعجبت بها كل الإعجاب وكانت سببا فى بداية علاقتى بالصديق الكبير نجيب محفوظ، فكتبت عن هذا العمل العظيم وكانت مجلة الرسالة الجديدة قد قامت بنشر دراستى عنها فى عددها الأول تحت عنوان محاولة نقدية فى بداية الخمسينيات.
وبعد ذلك حاولت أن أكتب عن ملامح الشعب المصرى وعن المأثورات الشعبية وكانت هذه هى البداية.
كتب لم تنشر
- رغم العشرات من الدراسات الأدبية والنقدية على مدار أكثر من خمسين عاما لم تفكر فى إصدارها فى كتب تحفظها للذاكرة الإبداعية؟
-- الواقع أننى كنت مترددا كل التردد أن أكتب كما قلت، وقد كانت لى تجربة قديمة إذ جمعت بعض المقالات وجعلت عنوانها الصمت والكلمات وأخذها الصديق الراحل د. غالى شكرى وأعطاها لأحد الناشرين لكنه لم يتم نشرها ولا أدرى هل ممكن أن تكون هذه التجربة هى التى منعتنى من محاولة أخرى للنشر واكتفيت بنشر مقالاتى فى معظم المجلات الأدبية فى القاهرة وفى بيروت، وأعتبر أن هذا تقصير منى فى عدم محاولة نشر أعمالى فى كتب، لأن الكتاب عبارة عن تحقيق للشخصية الأدبية للكاتب.
وبهذه المناسبة إذا كنا نتكلم عن زقاق المدق كان من بداياتى أنى نشرت حكاية يا ليل يا عين فى جريدة الجمهورية فى سبتمبر 1954 قبل أن أرسلها إلى يحيى حقى.
التراث الشعبي
- مقال لا تنساه؟؟
-- تابعت نشر مقالاتى عن التراث الشعبي فى مجلة الفنون الشعبية والتى لا أدرى لماذا توقفت، ولعل من أهم ما نشرته فى هذه المجلة مقالة طويلة عن قرية مارى جرجس قام بها الباحث الجاد الدكتور نسيم حنين، وكذلك ترجمة باللغة الشعبية المصرية لرباعيات الخيام قام بها حسين مظلوم، كذلك كنت أول من كتب عن ديوان الأرض والعيال للأبنودى وأدخلته فى سياق حول الدراسات الشعبية نظرا لأن الظروف كانت لا تسمح بالكتابة عن العامية.
- كان النقد فى الخمسينيات والستينيات يشهد طفرة نوعية لكتابات تهتم بالنص الإبداعى وبيان دلالاته مما أنتج مجموعة متميزة من النقاد، كيف ترى - الآن - حال النقد المصرى من خلال قراءاتك ومتابعاتك؟
-- الواقع أنه مما لا شك فيه أن عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات قدمت للأدب المصرى شعرا ونثرا وإبداعا ونقدا، وألاحظ أن كل مظاهر الحياة الأدبية لا تسير كما يجب أن تسير إلى تقدم وإلى الأمام، وأشعر أن هناك تخلفا واضحا فى تطورنا السياسى والاجتماعى والأدبى، وهذا لا يعنى عدم وجود نقاد كبار يجاهدون ضد هذا التخلف
عبد الرحمن الأبنودي : عدى النهار

عبد الرحمن الابنودي واحداً من أشهر شعراء الشعر العامية في مصر و العالم العربي شهدت معه وعلى يديه القصيدة العامية مرحلة انتقالية مهمة في تاريخها كتب لكبار المطربين وتنوعت اعماله مابين العاطفي والوطني والشعبي .

 

المولد والنشأة

ولد الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي في قرية أبنود في محافظة قنا في صعيد مصر عام 1938 ، و تزوج من المذيعة المصرية نهال كمال .

من أشهر أعمال الأبنودي ؛ السيرة الهلالية التي جمعها من شعراء الصعيد ، ودوره هنا يتمثل في جمع بعض نصوص الهلالية ، وليس تأليفها، وهو دور ليس هيناً ، رغم أن طريقة كتابة اسمه على الأجزاء المطبوعة والمسموعة ، قد توحي بنسبتها اليه .

 

أهم الإبداعات

كتب العديد من الأغنيات لأشهر المطربين في مصر والعالم العربي ومنها أغاني : المسيح ، عدى النهار ، أحلف بسماها وبترابها ، ابنك يقولك يا بطل ، أنا كل ما أقول التوبة ، الهوى هوايا ، وغيرها مما تغني بها الفنان عبد الحليم حافظ .

وأغاني : تحت الشجر يا وهيبة ، عدوية ، وغيرهما ، للفنان محمد رشدي .

واغاني  يامّا القمر ع الباب ، يمّا يا هوايا يمّا . للفنانة فايزة أحمد.

وعيون القلب ، للفنانة نجاة . واه يا اسمراني اللون للفنانة شادية . وساعات ساعات للفنانة صباح . وطبعاً أحباب لوردة الجزائرية . بالإضافة إلي عدد من الأغاني للمطرب محمد منير منها

شوكولاتة ، كل الحاجات بتفكرني ، مش بريء ، برة الشبابيك ، الليلة ديا.

من أشهر دواوينه الشعرية :

- المشروع والممنوع .

- الموت على الإسفلت .

- جوابات حراجي القط .

- الأرض والعيال .

- الكتابة .

- صمت الجرس .

- الزحمة .

كتب أغاني العديد من المسلسلات ، منها : ( النديم ) ، وكتب حوار و أغاني فيلم ( شيء من الخوف ) ، وحوار فيلم ( الطوق والإسورة ) ، وكتب أغاني فيلم ( البريء ) .

و من أشهر كتبه كتاب (أيامي الحلوة) ، والذي كان ينشر في ملحق أيامنا الحلوة بجريدة الأهرام في حلقات منفصلة تم جمعها في هذا الكتاب بأجزائه الثلاث ، و فيه يحكي الأبنودي قصصاً و أحداثاً مختلفة من حياته في صعيد مصر ، وفي الكتاب تظهر علاقة الأبنودي بالشاعر المصري أمل دنقل صديق طفولته .

 


عبدالرحمن الأبنودي.. وأبنود و«أيامنا الحلوة»
طباعة
ارسال لصديق
12/05/2008
توفيق حنا المدرس الأول بمدرسة قنا الثانوية والمهاجر إلي أمريكا يكتب عن تلميذه النجيب
إوعي تجول للندل يا عم.. ولو كان علي السرج راكب
 
تحت كلمة إهداء.. يقول عبدالرحمن الأبنودي: (..ولكنني ـ وإلي أن أرحل ـ سوف أظل مدينا لقريتي «أبنود»، وسوف أظل أشكر الأقدار علي أن وهبتني تلك الطفولة الغنية التي قد يراها البعض فقيرة وقاسية ومعذبة» ثم يهدي «أيامي الحلوة».
«إلي طفلتي الحبيبتين: آية ونور وإلي نهال كمال.. زوجتي التي كنت أكتب ذلك أسبوعيا، فقط لتبتسم.
وإلي قريتي أبنود وأهلها، عشقي الأول والأخير.
وإلي جريدة «الأهرام» والأستاذ محمد زايد رئيس تحرير ملحق «أيامنا الحلوة»، وأنا سوف أظل أشكر الأقدار التي بفضلها نقلت من مدرسة الخديوية في القاهرة إلي قنا مدرسا أول في مدرسة قنا الثانوية ـ ذلك البناء الجميل الأنيق ـ عام 1955/1956.. وسوف أظل أشكر تلك الأقدار أن كان ضمن تلاميذي عبدالرحمن الأبنودي ـ شاعر العامية ـ وأمل ونقل ـ شاعر الفصحي ـ وأيضا د. محمد سلامة آدم.. أستاذ الفلسفة.. وغيرهم.
وأنا هنا أسجل في بداية كلمتي تحية تقدير لهذا الوفاء الذي تجسد عملا جميلا.. رائعا.. ورائدا في «أيامي الحلوة».. وكم هي رقيقة وعذبة كلمة «حلوة» لأيام كانت كلها فقراً وعذاباً وآلاماً وعناء.. ولكنها كانت ـ رغم كل شيء ـ أياما حلوة.. حملتها إلينا هذه الذاكرة الواعية.. البصيرة.. ويقال بحق إننا كلما تقدم بنا العمر نشطت ذاكرة الطفولة.. وقدمت لنا الماضي البعيد في صور ممتلئة بالحياة والحنان والحنين.. وهنا أشكر الصديق عبدالرحمن الأبنودي لإهدائي نسخة من «أيامي الحلوة» عندما التقينا في القاهرة فقد قضيت في قراءتها وفي الكتابة عنها أياما حلوة ـ بحق وحقيق ـ وأنا بعيد عن الوطن الحبيب.
في عام 1955/1956 سعدت بإقامتي في قنا.. هذه المدينة السعيدية التي أحببتها وأحببت أهلها وسعدت بتلاميذي في قنا الثانوية.. عبدالرحمن الأبنودي وأمل دنقل ومحمد سلامة آدم وأبوالوفا القاضي.. وغيرهم.. وكنت أدفعهم إلي الكتابة عن قراهم.. ومازلت أحتفظ بما كتبه لي أمل دنقل في ورقتين من كلمات تتردد في قريته «القلعة» ومعانيها كذلك هذه المجموعة الكبيرة من المواويل سجلها لي محمد سلامة آدم «أستاذ الفلسفة».. وفي ذلك العام السعيد أرسلت للأستاذ يحيي حقي ـ مدير مصلحة الفنون ـ حكاية «ياليل يا عين» مع اقتراح بتقديم لوحات شعبية مع هذه الحكاية.
وأكرر أني أحببت قنا وأهل قنا وكل الأماكن في هذه المدينة.. ولقد ترددت علي معبد دندرة أكثر من مرة.. كما سعدت بمشاهدة مولد سيدي عبدالرحيم القنائي بكل ما فيه من مأثورات ومشاهد ولوحات وألعاب شعبية.
ولم أبق في مدينة قنا إلا عاما واحدا.. وقال لي صديق قنائي: إن من أحب قنا ينقل منها سريعا.. وكنت فعلا قد أحببت قنا.
قرأت «أيامي الحلوة» في هذه الطبعة الأنيقة التي صدرت في مكتبة الأسرة.. هذا المشروع العظيم، ولا أكون مبالغا عندما أقرر أن هذا العمل من أهم إصدارات مكتبة الأسرة، وذلك لأنها تدفع القارئ والقارئة، لأن يسجل ـ هو أو هي ـ ذكريات القرية التي ولد أو ولدت فيها، مثلما فعل الشاعر عبدالرحمن الأبنودي.. وفاء لقريته «أبنود».
>>>
كانت شخصية الأم ـ فاطنة قنديل ـ أجمل افتتاحية لهذا العمل الرائع «أيامي الحلوة».. هذه الأم المصرية التي جاهدت الجهاد الحسن.. وبذلت ما في وسعها.. لإنقاذ ابنها ـ عبدالرحمن ـ من الموت.. وكيف استفادت هذه الأم ـ الواعية البصيرة الخبيرة ـ من كل ألوان الطب الشعبي التي ورثتها من أيام رب الطب المصري امنحتب «وهو أيضا المهندس العظيم الذي صمم هرم سقارة المدرج، وافتتح به عصر الأهرامات.. المجيد».
عملان بطوليان قامت بهما فاطنة قنديل.. أما أولا وزوجة ثانيا.. أما عن الأم فيحدثنا عن عملها البطولي ابنها عبدالرحمن في الفصول عن: المريض الفولكوري:
«في أوائل الخمسينيات لم نكن قد رأينا الطبيب ـ في قريتنا ـ رأي العين، وإنما كان طبيبنا ميراثنا الفولكلوري مما خلفه الأجداد للأحفاد من وصفات وخبرات، مواد مصنعة من بيئتنا إلي جانب أوراق الأشجار ونبات الحقول وحجارة الأرض المعطاءة ولبن بز الأم.. قبل أن تبني حكومة الثورة «الوحدة المجمعة» وتعين لنا طبيبا خاصا بأهالي قريتنا أبنود بمحافظة قنا» وعن مولده يقول:
«ولدتني أمي في الحسومات، والحسومات حسب التقويم القبطي الذي مازال أهلنا يتبعونه هناك جميعا، أيام تسعة، تأتي في وقت معين من السنة القبطية، من يولد فيها من النادر أن يعيش، إنسانا كان أو حيوانا، وإذا عاش فإنه يعيش مثلي معلولا مكلولا مملولا محلولاً»، ويقول: «كنت ضعيفا، نحيلا وعليلا مزمنا، ضئيل البدن، أصفر الوجه، لدرجة أن أمي كانت ـ وأنا طفل لا أعي ـ تربط ركبتي المنحلتين بأشرطة من القماش تمسك الساقين اللتين تشبهان أعواد البوص كي لا تنفرطا»، ولكن من أين جاءت للأم هذه الخبرة.. يقول عبدالرحمن الأبنودي: «رأت أمي في أيام الحمل والوحم حمارة ولدت جحشا رفيعا عليلا.. رأت أمي الجحش الهزيل، ورأتهم يربطون ركبتيه بحبال كي تتماسكا، لذلك حين أنجبت ابنها السقيم ـ فيما بعد ـ ورأته غير قادر علي استعمال ركبتيه استوحت فكرة حبال الجحش، ونقلتها من ركبتي الحيوان إلي ركبتي الإنسان»، ويعترف عبدالرحمن الأبنودي بفضل أمه وحرصها علي علاج ابنها بكل ما تملك من خبرة ومن حب ومن إصرار:
«كانت فاطنة قنديل أمي تفخر بأنها حققت ـ بي ـ أكبر معجزة في الدنيا وهي أنها أبقتني علي قيد الحياة، في قتال مرير وحرب ضروس ضد الطبيعية وقوانين الوجود وبخبرتها الطيبة النادرة ووعيها بتجارب السابقين.. هذه الأم التي تخوض النار ـ حقيقة لا مجازا ـ من أجل إنقاذ طفل لديها عشرة أفضل منه.. إنها الحياة».
ويقدم لنا هذا الابن الذي كله وفاء هذه الأم في مشهد من مشاهد مر بها ضد المرض.. ضد الموت وكأن كلماته قصيدة من نثر:
«كانت تصعد بعد أن يتشرب الغروب استمراره المعتق، لتلمع نجوم السماء تحت عيون الرب، فتضيء جسدها الذي يتصاعد منه الدعاء، تكشف رأسها، تناجي وتدعو وتتوسل وتعاتب، لكي يستجيب الرب».
ويقول أيضا: «إن ما ناجت به فاطنة قنديل الرب فيض من الأدعية وأطنان من الطقوس، مارستها بجنون، خاطبت الرب في الصباح والمساء. خلعت ملابسها وتطهرت وخرجت إليه في قلب الليل وعند استقبال الفجر، تتوصل إليه أن أحيا وأن أعيش. وقد استجابت لها السماء وعشت كما ترون».
هذه الأم المصرية الصميمة تجسد في سلوكها هذا وفاء إيزيس وعنادها وإصرارها ورعايتها ابنها حورس وقفت بجانبه حتي انتصر علي عمه ست «وأنا أقول ـ اجتهادا ـ إن ست هو الشيطان..» الذي قتل أباه أوزيريس.. وأقول أخيرا.. إن فاطنة قنديل هي أيزيس الأبنودية.
وأكتفي بهذا لتصوير بطولتها.. أمّاً.. أما بطولتها كزوجة.. عندما زوجها أبوها ـ الحاج قنديل وهي في الحادية عشرة من عمرها.. وأنا هنا أترك فاطنة قنديل تحكي مأساتها فلقد سجل لنا أبنها ـ مشكورا ـ هذه المأساة بصوتها ـ قبل رحيلها.
وقبل رحيل أمي بقليل دعوتها إلي منزلي بالقاهرة، واستجابت.. وسألتها أن تقص القصة من أولها إلي آخرها».
ويقول عبدالرحمن «قصت وقصت وكأنها تعود للماضي فعلا، كأنها تعبر السبعين عاما في خطوة» ولعل هذه المأساة أن تكون أروع ما قدمه الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في (أيامي الحلوة)».
تصف لنا هذه «المرأة الطفلة» ولقد أصبحت في الثالثة عشرة.. كيف فكرت في الهرب والفرار في ليلة الدخلة.. بعد دخلة زوجها.. تقول إرجاء أن تقرأ القاف جيما.. متي يمكنك الاستمتاع بموسيقي لهجة هذه الأم الأبنودية.
بعدما حصل اللي حصل يا ولدي نام الراجل وأنا أتكورت زي دودة الطعم لما جاني نوم والدنيا بتلف بنا.. ماعارفة أنا مين ولا فين. حسيت إني وسط حلقة جزارين، إن كانوا رجاله ولا نسوان كلهم جزارين. الفزع راكبني. خايفة ومنفوضة كإن فيا «مراريا».
جاني هاتف قاللي قومي يا فاطنة.. قمت.
قاللي اتشعبطي الحيطة.. اتشعبطت.
قاللي نطي بره.. نطيت.
قاللي ارمحي....
وكأن ورايا عشر غيلان بيرمحوا ورايا، الخوف اللي في الدنيا ساب الدنيا وسكن في قلبي أرمح وأرمح.. بيني وبين بيتنا تلات بلاد.. أرمح وأنا بدمي، والخلاخيل في رجلي تقول: «ش ش» تزود خوفي خوف.. لحد ما وصلت بيتنا.. كان دمي اتصفي وركبي مش شايلاني، وهدوم الدخلة اتصبغت دم.
لما وصلت بيتنا ركبني الخوف تاني.. أقوللهم إيه؟ واعيد لهم ايه؟ وإذا رجعوني تاني السلخانة؟ وتستأنف فاطنة قنديل حكاية مأساتها.. وهي تجيد الحكي إلي حد بعيد فإنها بفطرتها النقية السليمة أراها فنانة أصيلة.. تقول «لفيت حوالين البيت واتشعبطت السور ومن فوقه نزلت من علي نخلة.
طب أعمل إيه وأروح فيه؟ طبعا الدنيا ليل.. وأمي وأبوي نايمين.. أروح فين؟ أروح فين؟ البيت كله مكشوف ـ لقيت قدامي ـ وأنا حريص علي أن أنطق القاف جيما.. حتي أكوت قريباً من لهجة فاطنة.. وكم أود أن أسمع التسجيل.. ولعلي يوما أسمعه ـ بنية الفروج.. بشويش فتحت الباب، وزرقت ورديته وراي الباب ورحت في ميت نومة.. صبحت الصبح علي أمي بتفتح باب العشة تطلع الفروجات وتلم البيض.. مديت إيدها لقيتها حتلمسني. قلت لها: أمّه أوعي تخافي. أنا فاطنة. الولية دبت علي صدرها، وقعدت تلطم علي خدودها لما خروا دم. وتدور وتلف حوالين نفسها وتقول:
يا عاري.. يا مراري. هربتي يا فاطنة؟ وأقول إيه لابوكي، ويقولوا علينا إيه الناس؟ وباقي الكلام لم سمعته لأني كنت غمضت وسحبتني الغيبوبة وسحبت روحي..
شهرين لم حاسة بالدنيا اللي حواليا.. اللي تطيب، واللي تبخر، والتي تدعي.. ده داخل وده طالع.. وأنا مش هنا.. لا عدت فاطنة ولا باطنة.
وجوزي وناسه لموا بعض وجونا يعرفوا الموضوع. وراحوا ما جوش. وأنا عمت في بحر الموت اللي ما منه رجوع.
يقول عبدالرحمن الأبنودي:
«هكذا رقدت فاطنة قنديل وحار من حولها ودار، وأسلم أمره فيها لله.
فقط «ست أبوها» التي ظلت تحوم حول الجسد كعصفورة اختطفوا صغيرها، تحرس قلب وحيدتها، تصب السوائل في الفم فتسيل علي جنباته.
ونعود إلي تسجيل فاطنة قنديل:
«يظهر يا وليدي ـ ما أرق التصغير هنا ـ .. كان عمري طويل. مكتوب لي أعيش لحد ما أخلفكم واحد ورا واحد».
وتعيش فاطنة لتقوم بنفس دور امها «ست أبوها» وتعمل المستحيل لإنقاذ ابنها عبدالرحمن من موت أكيد.
وتصف فاطنة عودتها إلي الحياة في هذه اللغة الشعبية الجميلة.. البليغة:
«شويه شويه بربشت، فتحت عينيا أشوف لك الواحدة أربعة. ما عارفه يميني من شمالي. لكن الحريم من حوالين السرير فرحوا، واعتبروا فتح عيني هدية من عند الله، أكرم بها الأبوين الصالحين..» الحاج قنديل و«ست أبوها».. بعدها بأيام جلست.
بعدها بأيام جلس الوالد قبالي وقال: «يا فاطنة، الحمد لله، ربنا خد بيدك وقمتي. الحمد لله كمان أن ناسك ما غضبوش منك ولسه شاريينك «هذه الكلمة تجسد فعلا هذا الزواج الشرعي.. وهي كلمة شراء» أظن مادام ربنا رد لك عافيتك نقوم نروح لهم.. «ألم يفكر الحاج قنديل هذا ـ هذا الرجل الصالح ـ لماذا لجأت إليه ابنته الوحيدة فاطنة؟»
وتستأنف فاطنة حكايتها وحوارها مع أبيها: 
غاب النور من عيني واتمنيت الموت. قلت له: يابا أنت بتكرهني قد كده؟ قاللي: يا بنتي كلام الناس يقولوا: هّملت بيت جوزها ليلة دخلتها. لابد ما في الأمر إنّ.. وانتي عارفة إن أنا وأمك مالناش في الدنيا إلا شرفنا..
قلت له «واستمرار الحوار بين الحاج قنديل وابنته يشير بوضوح في هذا الجو الريفي التقليدي إلي ما يتمتع به هذا الرجل الطيب من سماحة.. ولكن الخوف من كلام الناس.. والخوف من العمدة.. ربما.. وراء تردده أمام ابنته».
قلت له: لو ودتني يابا هارجع.
لو ودتني أرجع..
المرة التالتة حارمي نفسي في بير.. أنا لا متجوزة ولا عاوزة جواز
«هذه الكلمات الواضحة الصريحة الشجاعة تعبير عن تمرد ورفض لطاعة الوالدين.. وعن ثورة أيضا» قاللي: و ماله. أو ديكي وأقوللهم وأترجاهم يدوكي لي.. واذا حصل أجيبك.
- يابا تترجاهم كيف؟ أنا بنتك.. أنت مش هم.
قاللي: دلوك إنتي مش قول الناس، دلوك أنني منهم هم وأنا إديتك لهم
وبعد هذا الحوار تستأنف فاطنة قنديل حكايتها: «قبل ما أخف وأملك جتتي زين، شالني علي دراعينه زي السمكة الميتة وشق بيا البلد قدام الناس عشان يداوي عملتي اللي عملتها لما نطيت حيط الدار بدمي ليلة دخلتي...
آخر البلد ركبنا ركوبة كانت مستنيانا ومشينا التلات بلاد لحد بيت جوزي يظهر ده كله كان علي ميعاد، لأنه كان هو والرجالة كلهم قاعدين قدام الباب مستنيين..
وقفوا لما شافوا أبوي.. اتقدم بيا وقال لجوزي.. لعنة الله عليه..: ما علش يا فلان.. البنت صغيرة وماتدركش.. فإنت تسامحنا وتقبلها مننا تاني».
وتعلق فاطنة علي هذا المشهد الذليل: «الحاج قنديل- الوحش- كان صوته بيترعش كأنه بيشمت.. بيتوسل، ويترجي بحق وحقيق»
ثم يستمر الحوار بين الرجلين:
قال له الراجل: ما علهش يا حاج.. المسامح كريم.. خديها يا نجية..
«شالتني نجية من فوق دراعين أبوي ودخلت بيا الدار.. وسابت الرجالة للرجالة مشي أبويا وهملني.. من هنا وأنا مسكني العيا من هنا.. نار وجت في مخي وصدري وهدومي.
كسرولي.. النسوان بصل ودعكوني.
جابولي سفوف وسففوني.
رحت لك في سكرة ما فقت منها إلا في بيت أبوي.. رجعوني أموت عند أمي».
وتنتهي هنا مأساة فاطنة.. ولكن لهذه المأساة نهاية سعيدة.. تضعها «ست أبوها» يقول عبدالرحمن الأبنودي: «قالت «ست أبوها» إنها توسلت للرجل أن يطلق ابنتها..
قالت له إنها لم تعد تلك الصبية المرعرعة التي دخلت بيته، لم يعد فيها شيء يتزوجه.
قال له: لا تظلم نفسك وابحث عن عروس حقيقية».
وتحكي لنا ست أبوها كيف وفقت في إنقاذ ابنتها..» قعدت ازنلك في ودانه وأكرهه في البنت، لحد ما قال: «ابعتوا جيبوا المأذون» وتقول ست أبوها وهي تحكي لحفيدها عبدالرحمن: «والله يا وليدي دفعت حق الطلاق.. اشتريت بتي تاني. ولمت الحاج قنديل.. ما كان من الأول!».
وتصف لنا هذه الأم كيف عاونت ابنتها أن تستعيد صحتها.. «وقعدت أأكل وأشرب لحد ماهه الجسم نطق واللسان اتحرك وقامت فاطنة تقعد جنب الفرن وأنا باخبز، وتهش الفروج اللي ممكن يدوس علي العيش الشمشي اللي بيخمر في الشمش كل يوم ألاقي الدم يقرب من خدودها شعرة شعرة، لما عرفت إنها مش حتشوف وش العفريت اللي اتجوزته.. تاني ابتدا عودها يتفرط. لكن فضلت كتير قبل ما تفتح حنكها وتتكلم. وقعدت شهور قبل ما تفتح حكنها.. وتضحك»».. ذلك أن الضحك- من القلب- علامة الصحة المعنوية والمادية.. يعني دليل الصحة النفسية والصحة الاجتماعية.. والصحة الجسمية..
وتقول فاطنة قنديل لابنها عبدالرحمن: «لم أعش حرة كثيرا. جاء والدك وكان طالبا في المعهد الديني ليطلب يدي...» ويعلق عبدالرحمن علي كفاح فاطنة قنديل وإصرارها وعنادها في سبيل حريتها وكرامتها : «كلما قرأت مقالاتهن أو سمعتهن في التليفزيون أو في تجمعات المرأة التي تسعي للتحرر تذكرت فاطنة قنديل... ... وأعرف في أعماق يقيني أنها كانت في طليعة المرأة المناضلة في مصر..» وأنا معه بكل قلبي وعقلي.. وأقول إن هذه امرأة مصرية يفتخر بها قاسم أمين.. وأكرر ما سبق أن قلت إن فاطنة قنديل بحق إيزيس أبنودية.
وفي المقدمة يقول عبدالرحمن الأبنودي: «لأني خرجت من القرية وكأني عصارتها فقد حملت تاريخها وباطنها ووجهها في الضمير- دون قصد- وسرت في الحياة، فإنني في هذه المشاهد التي يحويها هذا الكتاب، إنما أحاول القبض علي جوهر الروح ولب الفكرة التي تحكم الإنسان المصري الأصلي الذي لم يفقد الصفات القديمة للإنسان النيلي القديم بعد».. وكلمة «بعد» الأخيرة تشير إلي فوق- وخوفنا- أن تضيع- يوما- هذه الصفات القديمة للإنسان النيلي.. «لا سمح الله».
>>>
في «أيامي الحلوة» تحدث عبدالرحمن الأبنودي عن ألوان نشاطه- وهو طفل- في قريته «أبنود».. راعيا للغنم وصائدا للسمك.. كما تحدث عن أغاني النساء وعن المتسولين.. وعن الكلاب.. حتي..
ولكني أود أن أتوقف عند «راعي الغنم» و«صياد السمك».. وعند «المتسولون».. إذا سمح هذا الفراغ.. الذي يكاد أن يفيض!
في «أيامي الحلوة» تحدث عبدالرحمن الأبنودي عن ألوان نشاطه- وهو طفل- في قريته «أبنود».. راعيا للغنم وصائدا للسمك.. كما تحدث عن أغاني النساء وعن المتسولين.. وعن الكلاب.. حتي..
ولكني أود أن أتوقف عند «راعي الغنم» و«صياد السمك».. وعند «المتسولون».. إذا سمح هذا الفراغ.. الذي يكاد أن يفيض!
>>>
يقول عبدالرحمن الأبنودي:
«غناء هذه القرية وجه مكتمل الملامح لكل أشكال الحياة فيها، لكل أنواع التداخلات المتشابكة التي تشكل أسباب استمرارها من علاقات اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية أو روحية. القرية بكاملها موجودة ومتجسده في غنائها» ويقول عن غناء هذه القرية.. يردده الرجال والنساء والأطفال.. أولاد وبنات: «إن غناءهم نوع خاص جدا من الوثائق الأمينة.. سطروها هم أنشأوها بإرادتهم الكاملة واختيارهم الحر في غفلة عن القوانين التي حاصرتهم بها الأيام أو حاصروا هم أنفسهم بها... ... إنها ثورة الإنسان المغني علي نفس الإنسان حين لا يغني.. ثورة علي النفس وعلي الآخرين».
ويقول عن هذا الفلاح المصري: «بني فلاحنا المعاصر أبنيته الفنية من الموال إلي أغنيات العمل إلي أهازيج الأعراس و«عديد» النائحات إلي أذكار الرجال ومساجلاتهم الشعرية إلي الملاحم وغناء الأطفال أولاد وبنات.
لقد قسم هذه الأبنية الفنية بالعدل والقسطاس بين تسجيل الحياة بتفاصيلها وتخيل ما بعد الموت، لتصبح الأغنية سجله ومؤنسه».
üüü
يقص علينا تفاصيل صيد السمك، زمان: «مع الفيضان كان الخير يأتينا محملا بأسماك الجنوب.. ويجب أن تعرف أنه لم يكن هناك «سد عالي» أو «بحيرة ناصر» لذا فالأسماك تأتي من الجنوب مباشرة من أفريقيا. كنا لا نحس لهيب الشمس.. نحن أبناء الشمس والنيل» ويحدثنا حديث الخبير عن أسماك النيل: «كان النهر يغص بعشرات الأنواع من السمك. لكل منها سلوك وطريقة في الغمز.. بعضها غبي وبعضها ذكي كالقرموط.. إن أجمل محاورة شقية متعبة هي معركة الذكاء بينك وبين الكائن العبقري المسمي «القرموط».. ويحدثنا عن سمك القرقار «رجاء نطق القاف جيما»: «هو السمكة الوحيدة التي تبكي وتستنجد حين تخرجها السنارة . كل الأسماك تقاوم أو تستسلم لمصيرها صامتة.. القرقار هو الوحيد الذي يملك صوتا..» وهنا يتذكر الشاعر عبدالرحمن الأبنودي: «السيرة الهلالية».. التي اعطاها من عمره ربع قرن ليجمعها ويحققها ويقدمها في كتابه الضخم «السيرة الهلالية».. الذي صدر- أيضا في مكتبة الأسرة- يقول: «شاعر السيرة الهلالية أراد أن يصف الموسيقي التي يصدرها حذاء «الجازية الهلالية» جميلة جميلات العرب.. بحث عن الصوت الفريد الذي لا يوجد له مثيل ليشبه به الصوت المنغم الصادر عن حذاء«الجازية الهلالية» فلم يجد سوي هذا الصوت النادر والوحيد الصادر- خلافا لكل أسماك النيل- من سمكة القرقار:
لابسه توب أخضر برسيمي
وراسمه عليه غلايين النار
لابسه توب شمني وارخيني
وحلق وازبط من قدام
لابسه جزمة بمزيكة
عما تصرخ شكل القرقار.
ويقول عبدالرحمن الأبنودي مفضلا الصيد في النهر علي الصيد في البحر: «إن عشقي للنهر والصيد في مائه الطمي جاءني من بلاد نهرية..
نحن أبناء النهر.. كلنا الكبار والصغار كنا نعتبر النهر هو الوالد والراعي والجدار المهيب الذي يسند عليه الصعيد ظهره لذا فإن كل خبرة سوف نكتسبها لتشكلنا فيما بعد إنما هي نابعة مباشرة من صلتنا بوالدنا العظيم: نهر النيل».
وعن حياته طفلا- راعيا للغنم- يحدثنا عبدالرحمن الأبنودي في بساطته وصراحته: «في المرعي عرفت لعب الطفولة الشاق المهلك الذي تتخرج منه رجلا بعد سويعات..
في المرعي ارتبطت بالطبيعة ارتباطا وثيقا لا فكاك منه، لتدخل مفردات مكوناتها وما وهبته للإنسان في عمق تلافيف معارفي وضميري السري، لم تعد هناك نباتة علي وجه الأرض لم أعرفها» ويقرر هذه الحقيقة «الوعي إجباري، لأن عدم الوعي بما علي ظهر الأرض من نبات- علي سبيل المثال- قد يؤدي إلي كارثة».
ويختم فصوله عن «راعي الغنم» بهذه الكلمات عن مهنة الرعي: «إنها المدرسة الأولي- أو قبل الأولي- التي يتعلم فيها الراعي الصغير «الحبو» علي درب الصعود نحو المغني الذي سيكونه بعد سنوات قلائل خلفا لسواقي وتحت الشواديف وفوق كراسي النورج، أو نحو الشاعر الذي سوف يكونه بعد أعوام وأعوام».
وما دمت قد تناولت حديث عبدالرحمن الأبنودي عن «راعي الغنم» فلابد أن أحدثك عن هذه الشخصية الأبنودية المتصلة اتصالاً وثيقا بالطفولة ورعي الغنم.. وهو «عم عزب الأعمي».. يقول عبدالرحمن: «كان «عم عزب الأعمي» متخصصا، في كل ما يتعلق بالطفولة والصبا، ويشكل اهتماماتنا في ذلك الوقت: يبيع الصنانير، الفخاخ «القلاليب» لصيد الحمام واليمام والعصافير.. إلا أننا كنا مهتمين بعم عزب الأعمي لسبب مختلف تماما- سبب متعلق برعي الغنم، كان عم عزب الأعمي إلي جانب بيع العسلية والفخاخ والصنانير يتاجر في «القرض» لذلك كنا نحن الصغار نتكوم كل جماعة تحت شجرة سنط كبيرة نكوم أكواما ضخمة من الطوب ونبدأ رجم الفروع الشوكية لنسقط قرضها لنجمع في النهاية جبل القرض هذا لنعبئه في جوال كبير يعذبنا نقله من المرعي إلي السوق.. ونبيعه لعم عزب نظير نصف قرش أجرا لثلاثة أو أربعة رعاة.. لم نكن قادرين علي فك نصف القرش وتوزيعه علينا إلا بشراء العسلية والصنانير من عم عزب الأعمي.
وبمناسبة شجرة السنط أذكر هذه الأبيات التي تقدم ملامح الحكمة الشعبية.. والسلوك الشعبي: «الصمت بالصمت والعلم حازوه بالصمت
من زرع لك شوك ازرع قصاده سنط
ومن زرع لك سنط ازرع قصاه ورد
الصمت بالصمت والعلم حازوه بالصمت».
وتنتهي «أيامي الحلوة» بالحديث عن هذا البطل الأبنودي «أبو عنتر» وهو يردد هذه الأبيات التي تقدم ملامح الشخصية الأبنودية التي تقوم علي الحرية والإباء وكرامة الإنسان:
أوعي تجول للندل يا عم
ولو كان علي السرج راكب
ولا حد خالي من الهم
حتي جلوع المراكب
وهنا تذكرت تلك الأبيات التي سجلها الأبنودي في مقدمة «السيرة الهلالية»:
طبيب الجرايح قوم الحق
وهات لي الدوا اللي يوافق
فيه ناس كتير بتعرف الحق
ولاجل الضرورة توافق
وكم هي قاسية ومريرة هذه النهاية: ولأجل الضرورة توافق
وما أبعد الموقف الاستلامي الذليل من حكمة البطل أبو عنتر وهذه الدعوة إلي العزة والكرامة والاعتزاز بحرية الإنسان»
أوعي تجول للندل يا عم
ولو كان علي السرج راكب
وأقول أخيراً بعد هذه الرحلة التي لعلها طالت إن «إيامي الحلوة» أهم دراسة قدمت عن قرية مصرية.
قدم لنا عبد الرحمن الأبنودي قريته أبنود.. رجالها ونساءها وأطفالها.. وحيواناتها وأسماكها.. كما قدم لنا الفلاح الأبنودي بكل ألوان نشاطه وكل ما يساعد هذا الفلاح في زراعته وفي تجارته قدم لنا الشادوف والساقية بالتفصيل والتفسير قدم لنا قرية أبنود بكل ظواهرها ومظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
قدم لنا أبنود بكل سماتها وملامحها وقسماتها.. وهي دراسة رائدة.. رغم أنها تبدو في صورة روائية.. بخاصة اعترافات البطلة الأبنودية فاطنة قنديل.
وهذه الدراسة - أيضا - درس علمي وأخلاقي وإنساني في الصدق والوفاء وكل صور الولاء والانتماء للوطن الصغير.
وهو - هذا الكتاب - إضافة مهمة إلي مكتبة الفولكلور المصرية وإلي الدراسات الاجتماعية كان علي أن أنظر - في صبر وأمل - مايقرب من أربعين عاما حتي أجد حلمي عن مشروع دراسة القرية المصرية يتحقق في هذه الصورة الرائعة والجميلة.. ولقد نشرت مشروع دراسة القرية المصرية في الستينيات في عدة صحف ومجلات مصرية.. كما نشرته في باب «ندوات» الذي كنت أقدمه في المجلة العزيزة «الشهر» وكان يصدرها ويرأس تحريرها الصديق الراحل سعد الدين وهبة، ولقد سعدت فيها بزمالة وصداقة الكاتب القدير محفوظ عبدالرحمن.. الذي أتابع أعماله بكل الحب والتقدير والإعجاب.. وبخاصة مسلسل «أم كلثوم»، هذا المسلسل الذي قدم الممثلة الجادة والممتازة صابرين.. هذا المسلسل يعرض الآن في قناة النيل وعلي الفضائية المصرية «في أمريكا» وأشاهد المسلسل بقدر ما يسمح به الوقت.. وأزداد إعجابا بالإخراج للفنانة القديرة إنعام محمد علي وتوفيقها الرائع في اختيار هذا الكاست.. هذه الكوكبة من الممثلين والممثلات الذين قدموا أصدق وأدق أداء فني وإنساني..
وأخيرا أقول مع «أبو عنتر» أوعي تجول للندل يا عم لو كان علي السرج راكب.
Your text goes here.